وحدة تفكير أوسع
إن مقطع لوقا 1:8-21 هو الوحدة الأوسع لمثل اليوم. تشير مقدمة المثل إلى كرازة يسوع في كل أنحاء المدن والقرى وفي أماكن النساء. من الواضح أن لوقا يناقش نشاط الكنيسة الرسولي وإعلان الإنجيل. إن موضوع التجاوب المتفاوت تجاه ’خبر ملكوت الله السار‘ يشكّل المحور للمثل. يأتي في المقام الأول السؤال: لماذا يتجاوب قلة فقط ’بثمر‘ مع كلمة الإنجيل؟
ملاحظات
إن هذا المثل هو المثل بامتياز وهذا المقطع غني لدرجة أنه يُنصح أن يُعالج فكرة كل مرة في كل عظة سنويًّا.
مثل الزارع 1:8-10
فيما يتابع يسوع التبشير بإنجيله المتعلق بالغفران، يأخذ وقفة قصيرة ليشرح ردود الفعل المتنوّعة تجاه رسالته بواسطة مثل. عند هذه النقطة في مرقس يطرح التلاميذ سؤالاً عامًا: لماذا يتكلم بأمثال؟ (مر 10:4) ولكن هنا يستوضحوه بالتحديد حول معنى هذا المثل. بالرغم من ذلك، إن جواب يسوع لهم هنا في لوقا يبدأ وكأنهم، إلى حد أبعد، طرحوا السؤال العام. بالفعل، إن يسوع نفسه يُعدّ المسرح لذاك السؤال ولجوابه إذ يُنهي مَثَلَهُ بالتحدّ: ’’من له أذنان للسمع فليسمع.‘‘ (آية 8 بـ) إن هذه الملاحظة متصلة بجلاء مباشرة بالجملة الأولى التي قيلت ردًّا على استيضاح التلاميذ: ’’لكم قد أعطي أن تعرفوا أسرار ملكوت الله. وأما للباقين فبأمثال حتى أنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يفهمون.‘‘
لماذا يودّ لوقا أن يضع ضمنًا هذه الملاحظات في حين أن السؤال الذي يستنبطهم غائب؟ الجواب الأفضل هو: في حين أن السؤال نفسه غير ذي أهميّة بالنسبة لمخطط لوقا الشامل المتعلق بعمله المؤلف من جزئين، إلا أن هذه التصاريح هي بلا ريب مهمة. مرة جديدة، إن في مقدمة ما يجول في ذهن لوقا هي المسألة نفسها التي تحتل التركيز المحور في رسالة بولس إلى رومية: تفسير رفض اليهود لإنجيل بولس. ممكن للحال إدراك هذا في مقدمة تفسير المثل، عندما يلاحظ المرء ارتباط المثل بنهاية سفر أعمال الرسل حيث يظهر بوضوح اهتمام لوقا بمصير اليهود كجماعة. إن أعمال 17:28-24 تُعدّ سيناريو يحاول فيه بولس أن يعرض رسالته على اليهود وهم يرفضونه؛ إن الآيات 25-28 يعرضون كلام بولس، وفيها يستشهد بالأسفار المقدسة التي تتنبأ عن هذا الرفض العنيد لخلاص الله، وينهيها بكلمته النبويّة الخاصة الفاصلة: ’’فليكن معلوما عندكم أن خلاص الله قد أُرسل إلى الأمم وهم سيسمعون‘‘ (أع 28:28).
إن نقاط الشبه بين مثل الزارع في لوقا والمقطع الختامي في أعمال الرسل هي لدرجة عالية كثيرة مما يستبعد المصادفة. إن الفعل اليوناني المترجم ’’سيسمعون Listen‘‘ في أعمال 28:28 ’’وليسمع Hear‘‘ في لوقا 8:8 هو نفسه (akouw). إن المتكلم في كلا الحالين يكرز بملكوت الله‘‘ (انظر لو 1:8؛ أع 31:28)، وأولئك الذين يكلّمهم ’’جاؤوا إليه‘‘ (انظر لو 4:8؛ أع 23:28). إن ذكر الخلاص في لوقا 12:8 (’’لئلا يؤمنوا فيخلصوا‘‘ غير الموجودة في مرقس) توازي ’’الخلاص‘‘ في أعمال 28:28. في النهاية، إن المقطعين كليهما يستشهدان من المقطع نفسه في العهد القديم، اشعيا 9:6-10، ويطبّقان عليه نفس التفسير. واضح مباشرة في أعمال الرسل أن أولئك الذين ’’يسمعون سمعا ولا يفهمون وينظرون نظرا ولا يبصرون‘‘ هم اليهود، في حين أن الأمم يفهمون. هذا الأمر ليس واضح بصراحة في لوقا 8 ولكنّه مُفترض في 21:10، المقطع الذي يتابع نفس الخط الفكري إذ يصرّح أن معنى الرسالة مخفيّ عن ’’الحكماء والفهماء‘‘ ولكنّه مُعلن ’’للأطفال‘‘. ’’الأطفال‘‘ إشارة إلى الأمم كما سأبرهن لدى مناقشة المقطع أدناه.
تفسير المثل (لو 11:8-18)
الأمم، إذًا، هم ’’الأرض الصالحة‘‘ للمثل ’’والصخر‘‘ في 13:8 يمثّل أي شخص يحاول أن يمنع البذار من الوصول إلى الأرض الصالحة هذه. إن تصرّفات بطرس في أنطاكيا تمثّل بصورة مصغّرة موقف القيادة اليهودية التي كادت أن تعيق إنجيل بولس من الوصول إلى الأمم؛ وللحال في مرقس كان واضحًا أن الكلمة ’’صخرٌ‘‘ (بطرس Petros) تمّ اختيارها في المثل لشبهها باسم بطرس، من أجل جعل تصرّفه في أنطاكيا مثالاً. إن معالجة لوقا ’’للذين سقطوا على الصخر‘‘ تحيد عن معالجة مرقس بطرق تؤكد إلى درجة أبعد هذا التفسير.
لاحظ الشبه بين رواية لوقا عن نهاية تجربة يسوع مع ما يحدث للبذور التي تسقط على الصخر: في الأول لدينا: ’’لما أكمل إبليس كل تجربة فارقه (ارتد عنه) إلى حين‘‘ (لو 13:4) في حين أن في الآخر لدينا ’’فيؤمنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدون‘‘ (آية 13) (حالاً محل ’’يعثرون‘‘ في مرقس). هذا يشير أن أولئك الذين يرتدّون عن إيمانهم الأساسي يقفون بجانب الشيطان بعيدًا عن يسوع، وهو بالضبط ما قاله بولس عن تبدّل فكر بطرس بين مجمع أورشليم والحادثة الحاسمة في أنطاكيا (غل 7:2-10؛ 11-14). إن بطرس قبل في البدء إنجيل بولس على أنه بالفعل كلمة الله، على الرغم من ذلك عندما أُمتحن، فهو حرفيًّا ’’آخّر وفرز نفسه (ارتدّ)‘‘ (غل 12:2) عن المسيحيين الذين من الأممأممأ، وهكذا عمليًّا ارتدّ عن إنجيل بولس نفسه ومن وجهة نظر بولس صار واقفًا بجانب العدو. الأمر أن تصرفات الصخر تُشابَهُ مع تصرفات الشيطان يقترحها أيضًا الواقع أن كلمة ’’شيطان‘‘ تظهر في لوقا فقط في مقطع التجربة (2:4-13) وفي هذا المقطع، وفي الحالتين كليهما على أنه عدو كلمة الله، بالتمام كما هو مصوّر في رسائل بولس.
إن نيّة لوقا للتفريق بين موقف بطرس من جهة، وموقف الجماعة البولسية من جهة أخرى، في خصوص إنجيل بولس، ممكن التحقق منه من وصف الناس المرموز إليهم ’’بالتربة الصالحة‘‘. إن التوضيح أنهم ’’يحفظون‘‘ الكلمة التي سمعوها يستدعي إلى الذهن 1كو 2:15 حيث تُستعمل الكلمة نفسها بنفس الطريقة: ’’يحفظون‘‘ الكلمة التي بشّر بها بولس تُفرَضُ هناك كشرط لخلاص السامعين. يشدد لوقا على هذه النقطة بقوّة أكثر من مرقس إذ يشترط أن الحفظ الظاهري أو المرائي غير كاف: يجب حفظ الكلمة ’’بقلب جيّد وصالح‘‘.
اختلاف آخر بالمقارنة مع مرقس هو التحديد أن الناس الذين ’’يثمرون‘‘ يثمرون ’’بالصبر‘‘. يمكن العثور على مصدر لهذا في رومية 7:2: ’’أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة الأبدية.‘‘ هذا الانطباع أن على المرء احتمال المحن بصبر حتى النهاية هو بولسي إلى حد نموذجي ويتكرر مرة أخرى في لوقا بسياق مماثل (19:21). لهذا، إن المثل اللوقاني يحمل إشارة إلى الدينونة الأخيرة كما يحمل أيضًا وعدًا بالخلاص في ذلك الحين، تمامًا كما يفعل إنجيل بولس (2تس 13:2-15).
إن المسرح إذًا مُعد لأمثال ’’الدينونة‘‘ التي تلي مباشرة (لو 16:8-18)، والتي أُلحقت هنا دون استعمال أي عبارة رابطة كما لدى مرقس ’’وقال لهم.‘‘ (مر 21:4). هذه أيضًا تبدو وكأنها تتطلع إلى الأمام إلى إصدار دينونة الله في نهاية أعمال الرسل (17:28-31). لاحظ كيف أن كلا الكلمتين المفتاح ’’يدخل ويرى (ينظر)‘‘ في إضافة لوقا ’’لينظر الداخلون النور‘‘ (لو 16:8) تتكرران في أعمال 28؛ في الآية 30 جميع الذين يدخلون إليه‘‘ تشير إلى كرازة بولس بملكوت الله (آية 31)، وأولئك الذين يرفضون تلك الرسالة فقد رفضوا ’’أن يبصروا بأعينهم‘‘ (آية 27).
(هذا المقطع مترجم عن كتاب ’’لوقا أعمال‘‘ من سلسلة مدخل إلى العهد الجديد الجزء الثاني الصادر باللغة الإنكليزية للأب بولس طرزي)